الدكتور طه حامد الدليمي
سيرة رجل كرّس حياته من أجل نصرة أهله وقضيتهم
ليست سيرة الدكتور طه حامد الدليمي سيرة طبيبٍ ترك مهنته ليصبح كاتباً ومفكراً فحسب؛ بل هي سيرة رجلٍ انتقل من محاولة معالجة الإنسان إلى محاولة معالجة الأفكار التي تصنع الإنسان والمجتمع والتاريخ.
طبيبٌ بالتخصص، باحثٌ بالاختيار، أديبٌ بالشغف، ومفكرٌ جعل من السؤال والبحث والمراجعة مشروع حياة؛ أمضى عقوداً في قراءة التراث والتاريخ، ونقد الموروث، وتصحيح المفاهيم، ومواجهة التعصب والتطرف المؤدلج، والدعوة إلى بناء وعي جديد يقوم على القرآن والعقل والبحث والتحقيق.
البدايات
ولد أبو عبد الله، الدكتور طه حامد الدليمي في بغداد، في مدينة الكاظمية، يوم الجمعة 22 نيسان/أبريل 1960، لأسرة عربية عراقية؛ ينتمي من جهة والده إلى عشيرة الحلابسة من قبيلة الدليم، ومن جهة والدته إلى عشيرة العبيد.
تنقلت طفولته وصباه بين بغداد والمحمودية واللطيفية ومناطق من محافظة بابل، فكانت نشأته قريبة من بيئة الريف العراقي ومجتمعه وقيمه، وفي الوقت نفسه متصلة بالعاصمة ومدارسها وحركتها الثقافية.
ومنذ سنوات الدراسة الأولى ظهرت لديه ملامح التفوق وحب المعرفة؛ فكان الأول على مدارس قضاء المحمودية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية.
لكن المدرسة لم تكن وحدها التي تصنع عالمه.
فمنذ طفولته، وجد في الكتاب عالماً آخر.
قرأ الأدب والشعر والتاريخ والقصص والسير، وكانت من قراءاته المبكرة التي تركت أثراً عميقاً في نفسه فتوح الشام المنسوب للواقدي، ومسرحية مجنون ليلى لأحمد شوقي.
ومع السنوات اتسعت دائرة اهتمامه لتشمل علوم القرآن والتفسير والحديث والعقيدة والفكر واللغة والأدب، ثم التاريخ والسياسة وعلم النفس والاجتماع، وغيرها من ميادين المعرفة.
وكان الشعر رفيقه منذ المرحلة المتوسطة؛ كتبه شاباً وطالباً في الجامعة، ثم عاد إليه بقوة في مراحل لاحقة من حياته، ولا سيما بعد أحداث العراق، فكانت له قصائد كثيرة، وجمع جانباً منها في ديوان «الوشاح الأحمر».
الطبيب الذي اختار طريقاً آخر
في عام 1979 دخل كلية الطب في جامعة بغداد، وتخرج فيها عام 1986.
مارس مهنة الطب ثماني سنوات، من 1986 حتى 1994.
وكان من الممكن أن تستمر حياته في مسارها الطبيعي: طبيب يمارس مهنته، ويبني مستقبله المهني والأسري بهدوء.
لكن شيئاً آخر كان يكبر داخله.
كانت الأسئلة الفكرية والدينية والتاريخية تشغله أكثر فأكثر، وكان يرى أن أزمات المجتمع لا تبدأ دائماً من الجسد، وأن بعض الأمراض الأخطر تختبئ في الفكرة والمفهوم والوعي.
وجد نفسه أمام اختيار صعب بين مهنة أحبها ورسالة رأى أنها تحتاج حياته كلها.
وقد عبّر عن تلك المرحلة بقوله:
«إن الطب والدعوة حبٌّ لا يقبل الشركة! كلاهما يريدك كلك ليعطيك بعضه؛ فلا بد من الاختيار».
فاختار أن يغادر الطب.
لم يكن ذلك انتقالاً من مهنة إلى مهنة أخرى، وإنما كان انتقالاً من علاج الأجساد إلى الاشتغال على علاج الأفكار.
ومنذ ذلك الحين أصبحت القراءة والبحث والكتابة والمحاضرة والعمل الفكري شغله الرئيس.
من الدعوة إلى المشروع
لم يكتفِ الدكتور طه الدليمي بالخطاب الوعظي التقليدي، بل أخذت تجربته تدفعه إلى البحث عن إجابة لسؤال أكبر:
كيف تتحول الفكرة إلى مشروع قادر على تغيير الواقع؟
ومع تراكم التجربة وصل إلى رؤية عبّر عنها بمعادلة أصبحت مركزية في مشروعه:
«دعوة بلا مشروع روح بلا جسد، ومشروع بلا مؤسسة إنسان بلا بيت، ومؤسسة بلا قضية جسد هامد في طريقه إلى الموت».
ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة في حياته الفكرية؛ مرحلة البحث عن المشروع والمنهج والمؤسسة، لا الاكتفاء بالموقف أو الخطاب.
تنقل في عدد من مناطق العراق، وعمل في بغداد وبابل والمحمودية والفرات الأوسط، وخاض تجربة طويلة في الخطابة والعمل الدعوي والاحتكاك المباشر بالمجتمع والتيارات الدينية والفكرية المختلفة.
وكانت تلك السنوات بالنسبة إليه مختبراً فكرياً واجتماعياً كبيراً؛ أعاد من خلاله قراءة كثير من المسلمات التي نشأ عليها، وبدأ يبحث في جذور الأزمات السياسية والمذهبية والفكرية التي عانى منها العراق.
تنقية التراث وتصحيح المفاهيم
مع مرور السنوات أصبحت مراجعة الموروث وتنقية التراث من أبرز معالم مشروعه الفكري.
لم يتعامل مع التراث باعتباره كتلة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، ولا باعتباره إرثاً ينبغي هدمه أو التخلص منه؛ وإنما مادة تاريخية وفكرية ضخمة تحتاج إلى القراءة والتمحيص والتمييز بين الوحي الإلهي وبين ما أنتجه البشر عبر التاريخ.
ومن هنا انشغل بقضايا الرواية والحديث والتاريخ والعقيدة والسياسة الشرعية، وسعى إلى إعادة قراءة كثير من القضايا بعيداً عن سلطان التقليد والتعصب المذهبي.
وكان السؤال بالنسبة إليه مقدمة للمعرفة، والنقد وسيلة للتصحيح، والعودة إلى القرآن أساساً لإعادة ترتيب المفاهيم.
لذلك جاءت كتاباته في مساحات واسعة ومتداخلة: القرآن، والحديث، والتاريخ، والعقيدة، والفكر، والسياسة، والاجتماع، والنفس، والقيادة، والهوية، والأدب والشعر.
وكان هدفه الذي ظل يتكرر في مشروعه هو تحرير العقل من أسر الموروث غير المحقق، ومواجهة التطرف المؤدلج والتعصب الأعمى، وبناء إنسان يمتلك القدرة على التفكير والمراجعة والتمييز.
العراق في قلب المشروع
احتل العراق موقعاً مركزياً في تفكير الدكتور طه الدليمي.
فلم يتعامل مع أزماته باعتبارها أحداثاً سياسية عابرة، وإنما حاول البحث في جذورها التاريخية والاجتماعية والمذهبية والنفسية.
وقد قادته تجربته إلى تبني مواقف حادة تجاه النفوذ الإيراني والتشيع السياسي وما يسميه «الشعوبية»، وهي مواقف أصبحت جزءاً أساسياً من مشروعه السياسي والفكري، وأثارت بدورها نقاشاً وجدلاً واسعاً حول كتاباته وخطابه.
وبعد احتلال العراق عام 2003 ازدادت هذه القضية حضوراً في كتاباته ومحاضراته وشعره، وأصبح سؤال الهوية والمشروع ومستقبل العراق من أكثر الأسئلة حضوراً في إنتاجه.
وبعد سنوات من التجربة والبحث، بدأ في خريف عام 2010 العمل على تأسيس «التيار السُني في العراق»، في محاولة لنقل الأفكار التي كتب عنها سنوات طويلة من دائرة التنظير إلى إطار المشروع والمؤسسة.
وكان يرى أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على مواجهة فكرة بفكرة، وإنما في:
صناعة جيل جديد يمتلك وعياً جديداً، ويستطيع أن يقود الحياة بمنهج جديد.
«الفكر الرابع»
ومن أبرز المفاهيم التي بلورها في مسيرته مفهوم «الفكر الرابع».
وهو محاولة لتقديم إطار فكري يتجاوز ـ وفق رؤيته ـ القوالب التقليدية الجاهزة، ويعيد النظر في العلاقة بين الدين والهوية والتاريخ والسياسة والمجتمع، ويبحث عن مشروع إصلاحي متكامل لا يتوقف عند حدود النقد، وإنما ينتقل من تشخيص المشكلة إلى بناء البديل.
وهكذا أخذ مشروعه يتطور من المقال والمحاضرة والخطبة إلى الكتب والموسوعات والمنصات الإعلامية والمشروع المؤسسي.
أكثر من ستين مؤلفاً... وحياة بين الكتب
شكّلت الكتابة الجانب الأوسع من حياة الدكتور طه الدليمي.
فحتى عام 2018 كان قد أنجز أكثر من ستين مؤلفاً في مجالات متعددة، فضلاً عن مئات المقالات والبحوث والمحاضرات.
ومن مشروعاته الموسوعية «يوميات قضية» التي بلغت اثني عشر مجلداً آنذاك، و**«قصة التكوين»** التي امتدت إلى عدة مجلدات، إلى جانب عشرات المؤلفات الفكرية والتاريخية والسياسية والدينية.
ولم يكن الفكر وحده عالمه.
فالأديب الذي بدأ كتابة الشعر في شبابه ظل حاضراً إلى جانب الباحث والمفكر.
كتب الشعر والقصة والرواية، ومن أعماله الروائية «هكذا تكلم جنوبشت» و**«أسبوع العسل»، وله مجموعتان قصصيتان هما «شيعة علي بابا» و«نخلات حمد»**، فضلاً عن إنتاج شعري واسع وديوان «الوشاح الأحمر».
وهكذا اجتمع في تجربته الطبيب والمفكر والباحث والخطيب والشاعر والروائي.
من الكتاب إلى الشاشة
لم تبق أفكاره حبيسة الكتب.
فقد خاض تجربة إعلامية واسعة، وقدم مئات الحلقات واللقاءات والمحاضرات التلفزيونية، ولا سيما منذ عام 2009 عبر عدد من القنوات الفضائية.
ومن أبرز برامجه «سنة العراق.. القضية والهوية» و**«المشروع.. والمشروع السني»**، إلى جانب حضوره عبر المنصات الرقمية والمواقع الإلكترونية والقنوات المرئية.
وقد مثّل الإعلام بالنسبة إليه امتداداً للكتاب؛ فالغاية واحدة وإن اختلفت الوسيلة: إيصال الفكرة، وإثارة السؤال، وتحريك العقل الساكن.
رحلة لم تكن سهلة
لم تكن حياة الدكتور طه الدليمي الفكرية طريقاً هادئاً.
فقد اختار الاشتغال في أكثر الملفات حساسية وجدلاً: الدين والمذهب والهوية والتاريخ والسياسة والتراث.
ودفعه ذلك إلى الدخول في سجالات ومواجهات فكرية وسياسية طويلة، وتعرضت آراؤه للنقد والرفض كما وجدت من يتبناها ويدافع عنها.
لكنه ظل متمسكاً بفكرة مركزية رافقته طوال مسيرته:
أن إصلاح الواقع يبدأ بإصلاح طريقة التفكير فيه.
ولهذا لم ينظر إلى الكتابة بوصفها ترفاً ثقافياً، ولا إلى البحث باعتباره جمعاً للمعلومات، وإنما باعتبارهما مسؤولية تجاه المجتمع والأجيال القادمة.
الرجل وراء المشروع
وراء عشرات الكتب ومئات المقالات والحلقات التلفزيونية، بقيت في شخصية طه الدليمي ملامح ذلك الطفل الذي اكتشف الكتاب مبكراً، والشاب الذي أحب الشعر، والطبيب الذي وقف يوماً أمام واحد من أصعب قرارات حياته.
كان يستطيع أن يبقى طبيباً.
لكنه اختار طريقاً آخر.
اختار أن يجعل الفكرة مهنته، والكتاب عيادته، والوعي ميدان عمله.
ومنذ ذلك الاختيار مضت عقود من حياته بين كتاب يقرؤه، وآخر يكتبه، ورواية تاريخية يعيد فحصها، ومفهوم يسعى إلى تصحيحه، ومحاضرة يلقيها، ومشروع يحاول أن يمنحه شكلاً في الواقع.
قد يختلف القارئ معه في بعض آرائه أو يوافقه، وقد تثير أطروحاته التأييد أو الاعتراض؛ لكن يصعب قراءة مسيرته الطويلة من دون ملاحظة حقيقة واضحة:
أن الرجل كرّس جانباً كبيراً من حياته لما آمن بأنه معركة وعي.
معركة ضد الجمود والتقليد والتعصب، ومن أجل أن يستعيد الإنسان حقه في السؤال والتفكير والبحث والمراجعة.
فبالنسبة إلى الدكتور طه حامد الدليمي، لم تكن القضية أن نعرف ماذا قال السابقون فحسب، وإنما أن نمتلك الشجاعة لنسأل:
لماذا قالوا ذلك؟
وما الدليل؟
وهل ما ورثناه يمثل الحقيقة فعلاً؟
وكيف نصنع من المعرفة وعياً، ومن الوعي مشروعاً، ومن المشروع مستقبلاً؟
وهنا يمكن اختصار جانب كبير من سيرته:
بدأ طبيباً يبحث عن علاج الإنسان،
ثم أمضى حياته باحثاً عن علاج الفكرة التي تصنع الإنسان.