يُعد الدكتور طه حامد الدليمي من أبرز المفكرين العراقيين الذين طرحوا مشروعاً فكرياً وسياسياً متكاملاً لمعالجة أزمات المجتمع العراقي والسني على وجه الخصوص. وتقوم رؤيته على الانتقال من حالة ردود الأفعال والانشغال بالجزئيات إلى بناء مشروع حضاري طويل الأمد يعالج جذور المشكلات الفكرية والثقافية والسياسية التي تراكمت عبر القرون.
ومن خلال كتاباته ومحاضراته ومشروع "التيار السني في العراق" يظهر أن اهتمامه لا ينحصر في الجانب الديني التقليدي، بل يمتد إلى الهوية والتاريخ والسياسة والاجتماع والتنمية والقيادة وبناء المؤسسات.
ترتكز رؤية الدكتور طه الدليمي على أن الأمم لا تنهض بالمواقف الآنية أو الانفعالات المؤقتة، بل بالمشاريع الواضحة والأهداف البعيدة المدى. ولذلك يكرر الدعوة إلى الانتقال من حالة التشتت إلى حالة التنظيم والعمل المؤسسي، ويرى أن غياب المشروع يجعل المجتمعات عرضة لمشاريع الآخرين وهيمنتهم الفكرية والسياسية.
يحتل موضوع الهوية موقعاً مركزياً في فكر الدكتور الدليمي، إذ يعتبر أن معرفة الأمة لهويتها وتاريخها وثقافتها شرط أساسي لبقائها. ومن هنا يركز على دراسة التاريخ الإسلامي والعراقي وإعادة قراءة كثير من الروايات والأحداث التي يعتقد أنها أسهمت في تشويه الوعي أو إضعاف الانتماء الحضاري للأمة. كما يجعل "فقه الهوية" أحد المحاور الأساسية في المنهج الفكري للتيار السني في العراق.
يرى الدكتور الدليمي أن الجمود الفكري من أكبر أسباب التراجع الحضاري، ولذلك يدعو إلى التجديد والإبداع وإعادة النظر في كثير من المفاهيم السائدة من خلال البحث العلمي والنقد الموضوعي. ويؤكد أن الأمة لا يمكن أن تواجه تحديات العصر بعقلية تكرارية أو اجترار للماضي، بل تحتاج إلى عقل ناقد ومبدع قادر على فهم الواقع واستشراف المستقبل.
من أبرز ملامح مشروعه رفض حصر الإصلاح في الجانب الوعظي أو العلمي المجرد. فهو يرى أن معالجة مشكلات الأمة تتطلب فهماً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً إلى جانب المعرفة الشرعية. ولذلك يتناول في كتاباته قضايا القيادة والسياسة والاقتصاد والتنمية وبناء المؤسسات، ويرى أن النهضة الحقيقية لا تتحقق بالمعرفة النظرية وحدها بل بتحويلها إلى برامج عملية ومشروعات واقعية.
من الأفكار المتكررة في كتابات الدكتور الدليمي أن كثيراً من الهزائم لا تنتج عن ضعف الإمكانات بقدر ما تنتج عن سوء تشخيص المشكلات والأخطار. ولذلك يدعو إلى بناء وعي استراتيجي يحدد مصادر التحديات بدقة ويضع الأولويات الصحيحة للتعامل معها، ويرى أن الخلل في فهم طبيعة الصراع يؤدي إلى إهدار الطاقات والجهود.
يؤكد الدكتور الدليمي أهمية القيادة الواعية والعمل المؤسسي المنظم، ويرى أن النجاحات الكبرى في التاريخ كانت نتيجة وجود قيادات تمتلك رؤية واضحة وتنظيمات قادرة على تحويل الأفكار إلى واقع. ولهذا يخصص ضمن مشروعه الفكري مباحث تتعلق بالقيادة والإدارة وصناعة الكوادر القادرة على حمل المشروع الفكري والحضاري.
في الجانب السياسي يطرح الدكتور الدليمي رؤى متعددة لمعالجة الأزمات العراقية، ومن أبرز القضايا التي تناولها اللامركزية السياسية والفدرالية باعتبارها أحد الحلول المطروحة لإدارة التنوع وتحقيق الاستقرار والتنمية في العراق. وقد أفرد لذلك مؤلفات ومحاضرات ودراسات متعددة.
يمكن القول إن رؤية الدكتور طه حامد الدليمي تقوم على أربعة أعمدة رئيسية: الهوية، والوعي، والتجديد، والعمل المؤسسي. وهي رؤية تسعى إلى بناء إنسان يمتلك فهماً عميقاً لتاريخه وهويته، وقادراً على قراءة واقعه بعين نقدية، والعمل ضمن مشروع حضاري منظم يهدف إلى النهوض بالمجتمع والأمة. ومن خلال مشروع "التيار السني في العراق" يحاول الدكتور الدليمي تحويل هذه الأفكار من مجرد رؤى نظرية إلى برامج عملية ومسارات إصلاحية طويلة المدى.